كيف يتفاعل المجتمع الفلسطيني مع العسف والمناورات الفظة والخبيثة لمحتل عنصري يتمتع بدعم غير مشروط من طرف الغربيين؟ الاضطهاد الاستعماري اليومي هو الوضع الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني تحت الحذاء العسكري لجيش الاحتلال الإسرائيلي. هذا الواقع الذي لا يحتمل والمستمر منذ عدة عقود يتم تجاهله بشكل ممنهج من طرف وسائل الإعلام المهيمنة. تتشكل الحياة اليومية للفلسطينيين من مضايقات وإهانات وممارسات عنيفة وسط صمت متواطئ لا تتمكن إلا أصوات قليلة من كسره. لكن الذين يأملون في انقياد وانتهاء مقاومة الشعب الفلسطيني يخطئون الطريق. ففي مواجهة الظلم تتجلى إرادة لا يمكن ترويضها في تأكيد الوجود والحق في الكرامة لشعب سجين على أرضه.

هذه الأبعاد الاجتماعية والسياسية والتأثيرات النفسية للاضطهاد والنضالات هي ما اختارت ألكساندرا دولس أن تُظهره في شريط يتميز بالتمكن والحس المرهف. يلعب عنوان الفيلم، "ما وراء الجبهات"، على التداخل بين معنيان، التشريحي والحربي، الكلمة ينيرها عنوان فرعي: "مقاومات وصمود في فلسطين".

بفضل خصاله السينمائية، فإن شريط ألكساندرا دولس هو عمل فني تعليمي. تمكنت المخرجة أن تظهر بشكل ملموس جداً أن الاستعمار الاستيطاني لا يتمثل فقط في الإبعاد والتطهير العرقي للسكان الأصليين أو في سرقة أرضهم وممتلكاتهم. التوسع القائم على سلب الأراضي هو حرب نفسية دائمة ضد

الذين لا يمكن مناقشة شرعية وجودهم والذين تريد الحركة الصهيونية أن تراهم يختفون من وجه الأرض.

 

سجن عقلي

 

الحضور الدائم لجيش احتلال قاس ومتغطرس ولمستوطنين عنيفين جداً ولوضعية إكراه شاذة، كلها أمور تضرّ بالطبع بنفسية العديد من الفلسطينيين الذين لا يحميهم أحد فعلاً. يصبح الأمر أكثر صعوبة مع محتل ينفذ سياسة تطهير للذاكرة ومحو للهوية الوطنية الفلسطينية، وذلك عبر احتقار الجزء الأكبر من الفلسطينيين والاحتواء المشروط للقلة القليلة من المتعاونين الذين تعتبرهم الصهيونية مؤهلين لتعايش قائم على التراتبية العرقية.

 

الاستعمار الاستيطاني لا يتمثّل فقط في الإبعاد والتطهير العرقي للسكان الأصليين أو في سرقة أرضهم وممتلكاتهم. التوسع القائم على سلب الأراضي هو حرب نفسية دائمة ضد الذين لا يمكن مناقشة شرعية وجودهم والذين تريد الحركة الصهيونية أن تراهم يختفون من وجه الأرض.

 

تجنبت ألكساندرا دولس كل عنصر مثير للشفقة وقاومت إغراء سيرة تنبني على استعراض الأمراض النفسية في الحياة اليومية، واختارت مقاربة تتمحور حول شخصية اخصائية طب نفسي فلسطينية، الدكتورة سماح جبر، وهي المعلِّقة في الفيلم الذي صور في شكل رحلة بالسيارة تبدأ من رام الله باتجاه القدس مرورا بأطلال قرية دير ياسين الشهيدة. تمثل الرحلة فرصة للقاءات مشوقة مع شخصيات فلسطينية من كل الأفاق والأديان. هذه الشخصيات المختلفة عن بعضها البعض تروي كلها قصة مشتركة، حيث يكون الغازي الاسرائيلي مهتم قبل كل شيء بتقسيم وتفتيت المجتمع عبر محاولة كسر الإرادات للتمكن من محو الوعي الوطني الفلسطيني. هذه الشهادات الحية توجه الفيلم وتضيء من زوايا مختلفة مأساة شعب يواجه آخر استعمار استيطاني في تاريخ الغرب، وتقدم كذلك قدرته على المقاومة.

السفر عبر فلسطين المحتلة هو مغامرة مرهقة على وقع نقاط التفتيش التابعة للجيش الاستعماري (الـ"محسوم" الشهير). الحاجز، نقطة التماس المثقلة بالمعاني بين المحتل والرازحين تحت الاحتلال هي التجسيد غير المقبول لهيمنة عنيفة ومهينة. يخضع الفلسطينيون لنزوات طغمة جنود منفلتة من كل قيد وقادرة على فعل كل شيء، وهكذا تقيَّد حركتهم بأكثر طريقة مذلة ممكنة.

 

"أبواب الحرية تفتحها أياد مجروحة"

 

.. كما تقول الدكتورة سماح جبر. تلتقط الكاميرا بكل نجاعة ومن دون تصنع طبيعة الفضاء المسيج والمغلق: الأراضي المحتلة من طرف الجيش الاستعماري هي موضوعياً سجن بسماء مفتوحة، "بانتوستان" سجني. لكن ما تمكنت ألكسندرا دولس من تقديمه هي فكرة أن هذا الحبس، وحسب عبارات سماح جبر نفسها، هو "سجن عقلي" أيضاً. تحلل اخصائية الطب النفسي الفلسطينية ــ وهي تلتقي في ذلك مع ملاحظات فرانز فانون ــ الأثر المزعزِع للتعذيب المؤسساتي الذي يتمثل في إنكار دائم للحقوق، وخطاب يهدف بصفة مستمرة الى الحط من صورة الشعب الفلسطيني عبر مسائلة انسانيته.


اقرأ أيضاً: استحالة تقسيم فلسطين.. بين الاستعمار والاستعمار الاستيطانيّ


وعلى الرغم من خضوعهم إلى ضغط دائم يطمح إلى تدمير الأسس المعنوية والثقافية للشخصية الوطنية، فإن الفلسطينيين ــ وإن كانوا متضررين بشدة ــ أبعد ما يكونوا عن الاستسلام والتخلي عن حقوقهم في الاستقلال والكرامة. حتى وإن نجح الاحتلال الاستيطاني المدعوم مادياً من طرف الغرب في تجنيد جزء من النخب الفلسطينية التي كونت ثروات بحكم عمالتها، فإن المقاومة الشعبية والسياسية والذهنية بقيت صامدة. النظرات المتقاطعة للمخرجة واخصائية الطب النفسي تضاف إليها شهادات فاعلين في نضال فلسطيني متعدد الأشكال، وتضفي على الشريط عمق إيجابي متميز ومثير للاهتمام بصفة خاصة. تبرز ألكساندرا دولس بكل اقتدار وبدون مؤثرات أو "خطابة تستحث الشجاعة" شعبٌ والقوة الإيجابية التي يعبر عنها.