ها قد أُعلن عن تحرير الرقة من داعش. وأنه لم يبق في يد هذا التنظيم سوى 13 في المئة من الأراضي التي سيطر عليها في العراق وفي سوريا، فأعلن خلافته وادّعى أن دولته "باقية وتتمدد". وإن كانت السنوات الثلاث ونيف المنقضية مذاك بمثابة لحظة في عمر التاريخ، فهي مختنقة بالدماء وبالويلات من كل صنف، وأن من قُتل أو عُذِّب أو اغتصب أو تشرّد لن تخفف عنه فلسفة التاريخ تلك. داعش ظاهرة إجرامية ولكن الأهم أنها تعبّر عن مقدار الانحطاط الذي وصلت إليه أوضاع منطقتنا، هي ومعها العالم، من بؤس معيشي، ومن بؤس في العلاقة بالحياة، بآفاقها وآمالها وأحلامها وما يجعلها جذابة، على المستويين الفردي والعام.
وقد يكون مضجراً تكرار القول بأن ما أنتج داعش وقبله القاعدة وقبلهما ظواهر متفرقة هنا وهناك، لم يختفِ بل تعزّز، وأن دحر داعش اليوم في العراق وفي سوريا لا يمثل أي ضمانة لجهة عدم تشكّل ظواهر تشبهه بل تفوقه بشاعة. مضجر وغير لائق باعتبار أنها لحظة احتفاء بالنصر، واغتباط بالمنجز.. إلا أن التوقّع واقعي، ومن المخيف أن تطغى مثل هذه اللحظوية التي لا تأبه للسيرورة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، بل تُقطِّع الاحداث وتتعامل مع كل مقطع على حدة وفي زمانه. وهي العقلية المهيمنة على كل شيء وليس فحسب على نظرية "الحرب ضد الارهاب"، تدير الأمور "بالتي هي أحسن"، ولا تتوقف مثلاً أمام توقّع مرجّح لأزمة

مقالات ذات صلة:
داعش: ماذا بعد؟
اقتصادية عالمية جديدة ووشيكة، كتلك التي عصفت في 2008، بل تقول أنها تتدبرها في وقتها، وهكذا.. ذلك أن الخيار الآخر، الذي يرصد الحركة المعقدة والمتفاعلة للأحداث والظواهر ــ السيرورة ــ ويخضِعها للقراءة، مكلف للغاية ويحتاج لإجراء تغييرات كثيرة... القوى المهيمنة تفضل الإبقاء على التلوث مثلاً مرتفعاً إلى حدود خطرة ومهدِّدة للحياة على الارض، على أساس الاكتفاء بترقيعات، والإحالة إلى "فيما بعد". وهي غيبية أو "ميتافيزيقا" مودرن.
وفي موضوع داعش المحتضِر (بانتظار سواه إذاً!)، هناك ما يتعدى ذلك القصور. هناك تعامل يستند إلى عقلية راسخة من التمييز العنصري والاستعماري في أكثر حلله وضوحاً وبدائية: في الترتيبات التي صاحبت السيطرة على الرقة، جرى إخراج عناصر داعش من السوريين من الحصار بفضل صفقات متعددة الهويات، أقرها "تحالف القوى الديمقراطية السورية" التي حررت المدينة بدعم من قوات نخبة أميركية وفرنسية تمسك بالأرض وبالسماء، أو بعد تدخلات وضمانات شيوخ عشائر المنطقة الخ.. حسناً، سيتسلل من يمكنه ذلك عائداً إلى أهله، وسيعتقل أو يُقتل من لن يحالفه الحظ، وسيتسرب جزء أخير إلى مناطق ما زالت بيد داعش على أطراف دير الزور كالبوكمال والقائم.. تماما مثلما أدت صفقة جرود عرسال إلى نقل هؤلاء المقاتلين وعائلاتهم إلى تلك المنطقة عينها، أو الى إدلب التي دخلت القوات التركية للسيطرة عليها، بانتظار فصل دامٍ آخر.
... وأما الغرباء من مقاتلي داعش، فمصيرهم الوحيد المقبول هو الموت. السادة الغربيون لا يريدون أسرى ولا مستسلمون ولا يسمحون بتسلل أي مقاتل "غير محلي" ضمن الصفقات. اتخذوا قراراً صريحاً بذلك. منذ أيام، صرح الكولونيل الأميركي ريان ديلون، الناطق الرسمي باسم التحالف الغربي: "آخر ما نرغب به هو تحرير المقاتلين الأجانب حتى يعودوا إلى بلدانهم الأصلية ويتسببوا بمزيد من الرعب (...) الاتفاق الذي جرى بين قوات سوريا الديمقراطية وداعش مصمم لخفض الخسائر المدنية إلى الحد الادنى وهو يستثني الارهابيين الأجانب". ما يعني أن القيادة السورية لداعش نفسه باعت هؤلاء المقاتلين الأجانب مقابل سلامة المحليين، وأنه قد نُحرت ببساطة "أممية" داعش التي لطالما تبجح بها التنظيم، وهو الذي استمات لاستقطاب هؤلاء، ولم يتوقف عن تأكيده على عدم اعترافه بالحدود القائمة للدول وبالوطنيات الخ..


اقرأ أيضاً: من دفاتر السفير العربي

 


وأما المبعوث الأميركي الخاص إلى "التحالف الدولي" بريت ماكغورك، فقد سبق له التأكيد في حزيران/ يونيو خلال زيارة له إلى الرقة مع بدء معارك تحريرها أن "الأجانب لن يمكنهم مغادرة المدينة"، وقال "مهمتنا هي التأكد أنهم لن يفلتون. لقد جاؤوا للموت في سوريا، وسيموتون هنا". وهو عينه الموقف الفرنسي الذي "لا يريد أسرى (والمقصود ممن يحملون الجنسية الفرنسية)، أو أقل ما يمكن منهم".

... يعني: الداعشيون من العراقيين أو السوريين، يُشجَّع على عقد صفقات معهم لتلافي استماتتهم في القتال الحالي ثم بعد خروجهم الآمن من الميدان تصطفل بهم دولهم.. يتوبوا أو يرتكبوا أفعالاً إرهابية محلية، شأن لا يعني السادة الغربيين الآن. أما من يمكنهم العودة إلى الغرب، بسبب أصولهم والجنسيات التي يحملون، فهؤلاء يفضل قتلهم بلا أسر ولا محاكمة ولا وجع دماغ. وطبعاً أغلب هؤلاء من أبناء المهاجرين العرب والمسلمين إلا قلة، أو من قوميات مضطهدة كالشيشان وسواهم، ما سيضيف على رواية المظلومية في أوساط أهلهم ومجتمعاتهم.
وليس في هذا الموقف المصرح به أي ذرة من مبادئ حقوق الانسان التي تَفترض أن يُحاكم المذنب وينال عقابه مهما كان. بالمقدار نفسه الذي ليس فيه أدنى اعتبار لـ"المجتمعات المحلية" التي تُعامل كمزابل موعودة بالفناء على أي حال.