نسمع أن فلان فقير فنستنتج فوراً أنه لا يملك نقوداً! مفهوم الفقر أعقد من هذا. كان الفقر في القديم رجلاً خفياً لذا لم يُقتل. أما المفهوم العلمي الحديث فهو "الحالة التي يوجد فيها فرد لا يملك موارد كافية لينخرط في مستوى معيشي عادي" حسب موسوعة إنكاتا. ما هي هذه الموارد؟ إنها السلع والخدمات التي يحتاجها هذا الفرد ليعيش حياة كريمة. وهنا يُطرح مشكل التطور الإقتصادي والإستثمار والقدرة الشرائية..
مؤشرات التنمية البشرية ـ التي قذفت بالمغرب إلى المرتبة 123 عالمياً ـ تدرس الفقر بمعدلات الدخل والتغذية والصحة والسكن والتعليم. يستحيل على أي مجتمع أن يتقدم دون تعليم، لأن التقدم يرتبط بمستوى المعيشة ومؤهلات المواطن وعقليته، ولنا في بلدان النفط عبرة.
لا بد من التمييز بين الفقر المطلق والفقر النسبي. الأول هو عدم قدرة الفرد على توفير حتى تغذيته لكي يستمر حياً. الثاني هو توفر تغذية غير متوازنة مع انعدام التغطية الصحية والسكن اللائق وما يجب الإنتباه إليه هو أن الفقر ليس ظاهرة عرضية في النظام الرأسمالي الذي هو "امتياز قلة" بحسب المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل. إذاً فالشقاء للأغلبية!   
وبما ان الفقر ليس ظاهرة عابرة مثل الجراد أو الزكام، فإذا قلنا أننا "سنقضي على الفقر" فنكون كمن يقول أننا سنقضي على الرأسمالية.     
 الفقر قديم، لكن الإختلاف يكمن في الفرق بين الغني والفقير قديماً وحديثاً. الآن يضاعف أعلى أجر في المغرب أدنى أجر لأكثر من مئة مرة. من يملك الشجاعة ليحتج؟ يضاعف متوسط دخلُ الأمريكي متوسط دخلَ الإفريقي خمساً وثلاثين مرة! وهذا مع اعتبار مقدار "التزوير" في هذه الارقام أنها تتناول "المتوسط" الذي لا يوجد إلا تسهيلاً للحسابات بينما تتعلق المسألة الفعلية بمقارنة مستويات محددة، مثلاً من يعتبر فقيراً في الولايات المتحدة بشبيهه الافريقي.   
في البلدان التي توصف بأدب ب"النامية"، لا تتمكن البنى السياسية والإقتصادية والإجتماعية فيها من تلبية الحاجيات الأساسية والاولية للسكان. وقد دمرت العولمة ما بقي من بنى ذاتية لهذه الدول التي ستصبح سوقاً مفتوحاً باسم تحرير التجارة. والملاحظ ونحن في بداية الألفية الثالثة أنه  بدل أن يتقلص الفارق بين الدول المتخلفة والدول المتقدمة ـ بفضل الثورة الصناعية والتقدم التكنولوجي ـ فإنه يتسع كل يوم، والفقر في المغرب مثلاً يتغذى من سوء التوزيع أكثر مما يتغذى من الندرة.


النيات الحسنة تغطي الواقع


تعريف الفقر والقضايا المرتبطة به من وجهة نظر أكاديمية يجعل الفقر مسألة أرقام ليس إلا.. وقد يواجَه عالم الاجتماع بخطاب عاطفي يحث على تصحيح النيات واتحاد الإرادات وعودة الإيمان والإنخراط في الدعاء الصالح لمحاربة الفقر في "الأفئدة" أولاً قبل محاربته على أرض الواقع.. ويقال ــ والله أعلم ــ أنه قد سبق لهذا الحل أن طبق في عهد عمر  بن عبد العزيز، إذ استؤصل الفقر تماماً حتى أن بيت المال لم يكن يجد من يعطي له الصدقات!  
الفقر أقسى من كل الأرقام، أراه في تقاسيم عجوز تنتظر في طابور أمام المستشفى، تستعطف وتبكي بذل كي لا تجد نفسها تنتظر شهراً آخر، تعتقد أنها لو ماتت لكان أريح لها، لكن العمر لم يرحمها من الألم والإنتظار وتقبيل الأيدي.. لتعالج!  
أراه دمعاً جارحاً في عيني طفل يقف أمام زجاج مخبزة يتأمل الحلوى بحرقة، طفل سطح سوء التغذية جبينه، لم يعرف من الطفولة إلا الإسم، إن كان محظوظاً يجد عملاً في مشغل نجارة ليستنشق الغبار، أو يقضي ست عشرة ساعة قاعداً لدى خياط تقليدي فتعوج عظام ساقيه..
أراه قهرا على وجه شيخ نحيف أبيض اللحية يقف في باب المحطة الطُرُقية ينتظر حافلة، يضع الحقائب في عربته ويدفعها ليحصل على درهمين، يعرق وينخفض نبض قلبه وهو يُجهد نفسه ليمرر العربة فوق الحجارة والرصيف..


الفقر ليس ظاهرة عرضية في النظام الرأسمالي الذي هو "امتياز قلة" بحسب فرنان بروديل. إذاً فالشقاء للأغلبية. وبما ان الفقر ليس ظاهرة عابرة مثل الجراد أو الزكام، فإذا قلنا أننا "سنقضي على الفقر" فنكون كمن يقول أننا سنقضي على الرأسمالية.


أراه غضباً كاسحاً في عيني شاب يتأمل قرينه يقود سيارة فاخرة، بينما هو يرجو أمه لتعطيه درهماً ليشتري سيجارة. يقضي نهاره جالساً أسفل العمود الكهربائي يحصي المارة، يتسكع ليتعب فيزوره النوم ليلاً، شاب يحتقر نفسه ويشك في قدراته الذاتية ويعبر عن استعداده لكل مغامرة خطرة تحت شعار "ليس لدي ما أخسره" وقد يدعو على نفسه "اللهم اعطني عام حبس".
... في تقاسيم أب استيقظ في الفجر وذهب إلى "المُوقف" بحثا عن عمل، حلت العاشرة ولم يكلمه أحد، لا يعرف هل يبقى في "الموقف" الذي بدأ يخلو أم يرجع إلى كوخه، قد يجد أطفاله خرجوا للعب، لكن الزوجة تدرك الحصيلة ما أن تلتقي العيون فينعصر قلبها..
أراه في عيني شابة تعرض نفسها في الشارع، يبتلعها الخجل وهي تحدد ثمن كراء جسدها لزبون ما، وتعود إلى البيت في صباح الغد لتساعد الأسرة. الأم تعرف والأب يتغابى، يصلي العِشاء في غرفته ولا يطل على المطبخ، الشقيق لا يكلم "الفاجرة"، لكن يطلب دراهم من الأم، ساعة الأكل تلتقي العيون جافة، وتمضي الأيام...


لم ينته التاريخ، ولم يحسم أي شيء بعد


بسرد ووصف هذه الحالات المعيشة، يمكن تبيان فوائد الأدب للتاريخ والسوسيولوجيا بشكل يغني الإحصائيات، بل يكون النص السردي أكثر جاذبية منها. لذلك تقرأ الروايات بقياس مدى تعبيرها عن الوسط الاجتماعي الذي أنتجها. النصوص ليست مستقلة رغم كونها إبداعية، ولا عزاء لمدمني الاستعارات الفارغة..
الأديب ابن بيئته، النص ابن بيئته أنا ابن بيئتي في كتاباتي السوسيولوجية، ومدين للأدب أكثر مما أدين لباقي الكتب التي تعلمنا تحليل الفقر، بينما الرواية تربي خيالنا السوسيولوجي وتعلمنا فن حكي الفقر. نجيب محفوظ هو السوسيولوجي الأول. في مصر لا سوسيولوجي وصل لذروة رواية "عمارة يعقوبيان" (لعلاء الاسواني) في كشف تحلّل الوضع في البلد.. الأدب مرآة تعكس الحياة الاجتماعية، هذا شعار قديم لم تقتله الشكلانية الروسية ولا البنيوية الفرنسية.


اقرأ أيضاً: شيخوخة الفقراء


الأدب هو خبرة الإنسان في العالم منذ الخلق إلى الآن. علم الإجتماع يعرّي، يحلل، يفسر.. الادب يلتقط المشاعر التي تفرزها المصائب، تلك التي جرتها السياسات والأنظمة على الافراد. لكن كلاهما، الأدب وعلم الإجتماع في خدمة الإنسان، الذي تنص المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوقه أن لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كافٍ للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته. ويمثل الفقر المدقع سلباً لجميع الحقوق المدنية والسياسية. الفقر يلغي كرامة الإنسان، يذله، يخضعه للعبودية ويمس إنسانيته في العمق.
لم ينته التاريخ، ولم يحسم أي شيء بعد. يقول بورديو "إذا كان للسوسيولوجي دور ما فسيكون - بالأحرى - إعطاء الأسلحة بدل إعطاء الدروس".
أسلحة؟ هذا مقلق.
ما مصدر القلق من علم الاجتماع؟
يجيب إريك هابزباوم "يرفض البشر أي مقولة مفادها أن أفعالهم تخضع لأي أمر أو سبب غير خيارهم الحر". يرفض البشر ذلك لأنهم يعتبرون أنفسهم أحراراً في أفعالهم بينما يبين لهم علم الاجتماع أن أفعالهم تخضع لشروط ودوافع أخرى غير الحرية.
الفقير ليس حراً.



    
 

الأمم المتحدة: الجوعى في العالم 815 مليوناً

 
    
  
 

أوضح تقرير صدر منذ أيام (15 أيلول /سبتمبر) عن هيئة الأمم المتحدة يخصوص وضع التغذية والأمن في العالم خلال العام 2017 أن عدد الجوعى يتزايد لأول مرة منذ اكثر من 10 سنوات. وأشار التقرير إلى أن نحو   815  مليون شخص في مختلف أنحاء العالم لا يتلقون الغذاء الكافي ويعانون من الجوع المستمر، وهو ما يشكل نحو 11 في المئة عن عدد سكان العالم. وأكد التقرير أن أغلب هؤلاء يعيشون في مناطق فقيرة في أفريقيا وآسيا، كما أن هناك نحو 155 مليون طفل يعانون مشاكل في النمو بسبب نقص الطعام وأغلبهم يعيشون في مناطق تعاني من صراعات مسلحة.
وحذر التقرير من أن الهدف الذي حددته المنظمة العالمية ب"القضاء على الجوع وآثاره على الأطفال ونموهم بحلول عام 2030" لايمكن تحقيقه إلا بتوفير المزيد من الاموال وبذل المزيد من الجهد.
وهذه الدراسة هي الاولى من نوعها منذ إعلان الأمم المتحدة ذاك، وتهدف إلى تقييم الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية ضمن مبادرة "التنمية المستدامة".
وأشار التقرير إلى المجاعة التي اجتاحت دولة جنوب السودان مطلع العام الجاري وأنها يمكن أن تضرب المنطقة نفسها في وقت لاحق، كما أن هناك مخاطر بحدوث مجاعات أخرى في مناطق مثل شمال غرب نيجيريا والصومال واليمن، بسبب نقص موارد الغذاء لمئات الملايين من السكان.