كنت أشاهد المسلسل الأميركي  "house of cards" عندما ظهرت أمامي "زوي"، تلك الفتاة اليافعة المليئة بالطاقة والحياة، وهى تقف أمام رئيسها في صحيفة الـ"واشنطن هيرالد"، وتخبره أنها غير موافقة على الكشف عن مصادرها، على الرغم من تهديده الشديد بأنه قد يجعلها تترك الجريدة، وهي ما زالت شابة صغيرة ولن تستطيع فعل شيء أمامه. انتظرت أن يحدث أمر متوقع تماماً هو أن تُجبَر "زوي" على ترك الصحيفة بفعل قوة رأس المال أو السياسة. ولكن على العكس، ظلّت حقوقها محفوظة، بل وترقت في العمل أكثر، بعدما رأى ملاك الصحيفة أنها تمثل روح الشباب، إذ تحدت مديرها ــ مدير تحرير الصحيفة ــ قائلة إن المستقبل لمنصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، لذا من حقها نشر ما تشاء على حسابها الشخصي وعلى مدونتها بينما كان هو يرفض نشر أي شيء قبل التحدث معه، لأنه يرى أن تلك المواقع والمنصات مجرد "هوجة" – بالدارجة - ستنتهي أو سيمكن التحكم بها.
خلال الحلقات الباقية كشف المسلسل أن "زوي" استمرت في عملها وأصبحت مسؤولة عن تغطية أخبار البيت الأبيض نفسه، بينما أقيل مدير تحرير الجريدة باعتباره ما زال يعمل بالطريقة القديمة.
وعلى الرغم من أن "زوي" شخصية خيالية إلا أنني أحسدها على قوتها وجرأتها وعدم خوفها من التعبير عن رأيها كصحافية.. أحسدها

بينما أقاوم الاكتئاب.

 

***

 

في أواخر العام الماضي، كنت أعمل على تقرير بشأن غلاء الأسعار، وكنت أستطلع آراء "سائقي التاكسي الأبيض". بعد أن انتهيت، جرى خلفي سائق وسألني: "في أمل يا أستاذة؟ صح، قولي إن في أمل، وإن الوعود اللي بنسمعها هتتحقق والأسعار هتنزل، وإلا بلاش.. قولي لينا نعمل أيه؟ ساعدينا نفهم مين السبب!"
للحظات لم أستطع الرد. فهل أخبر الرجل الحقيقة بشأن غلاء الأسعار، وأن الجزء الآخر من التقرير فيه رأي خبراء اقتصاديين يؤكدون أن غلاء الأسعار مستمر وسيزيد، وأجعل الدموع التي أراها في عينيه على وشك الانهمار حقيقة، وليس بفعل المطر الشديد حولنا.. أم اكذب عليه؟ وهل يجوز لي أن أخبره ما الذي يجب عليه فعله في تلك الظروف أو من هو المسئول الحقيقي، أم أصمت لأن ذلك سيكون بلا فائدة؟
أخبرت الرجل الستيني أن الأمور ستكون بخير، وعدت إلى مكتبي وبدأت في كتابة التقرير وأنا أقاوم الاكتئاب كصحافية، بعدما أدركت أن قول الحقيقة لن يغيّر من الأمر شيئاً.

 

***

 

في حفل توزيع جوائز مؤسسة هيكل للصحافة العربية، كان "تدريب الصحافيين" هو الشغل الشاغل لمعظم الحضور بحسب أحد التقارير التلفزيونية. ولكن بعض الكتاب ورؤساء مؤسسات صحافية اعتبروا أن اللوم يقع على الصحافيين الشباب وحدهم، لعدم ممارستهم المهنة بشكل احترافي جيد. وأكد أحدهم أنه لا توجد مواهب كثيرة مقارنة بجيل الصحافيين القدامى، وهناك من اعتبر أن الصحافيين لا يفعلون شيئاً سوى "اللهاث خلف المال، فصباحاً هم بالجريدة الورقية وعصراً بالموقع الإلكتروني، وليلا هم في إعداد برنامج لفضائية خاصة". وأما ثالث فرأى أن التدريب مهيأ للصحافيين ولكنهم لا يعرفون معنى "التعليم الذاتي"، أو يتجاهلون فرص التدريب المتوافرة أمامهم..
بعد انتهاء الحفل قاومت شعور الاكتئاب مرة أخرى، إذ تذكرت مئات فرص التدريب التي كنت أحلم بالحصول عليها، سواء في مؤسسات عربية أو أجنبية، وكنت دوماً اتجاهلها متعمدة، لأني أعلم أن الرفض سيكون الرد حيث "حاجة العمل لا تسمح". وتذكرت فرصة التدريب الوحيدة التي حصلت عليها في جامعة أجنبية خارج مصر، كانت بعد جهد شاق من "مديرتي" للحصول على الموافقة عليها، فقد كانت الوحيدة التي تؤمن بأهمية التدريب في تطوير العمل الصحافي!



لم يكن ذلك هو الموقف الوحيد الذى خطر ببالي، بل المئات من حكايات أصدقائي وزملائي الصحافيين الذين لا توفر لهم مؤسساتهم وقتاً للحصول على تدريب خارجي، ولا توفر لهم فرصاً في التدريب الداخلي بالصحيفة نفسها، فيسعون رغم ذلك للبحث عن كل وسيلة ممكنة، ومنهم من يضرب بعرض الحائط حياته الاجتماعية ليلتحق بتدريب ما بعد انتهاء ساعات العمل وحتى منتصف الليل، ليضمن أنه يواكب كافة التطورات في عالم الصحافة. وهناك قصة الصحافيات اللواتي اتفقن مع زوج إحداهن على الحصول على تدريب في الصحافة التلفزيونية في أحد المقاهي، لعدم توفّره في أي مؤسسة، رغم حجم المسؤوليات الاجتماعية والزوجية الملقاة على عاتقهن.
وفى النهاية، تستوقفني الجملة المرعبة عن تعدد أماكن اشتغال الصحافيين الشباب، فأندهش من قائلها وهو الذي يعرف مدى سوء الأوضاع الصحافية في مصر حالياً - باعتباره أحد الرموز الصحافية - ويصف الأمر على هذا النحو من دون ذكر كافة الظروف التي دفعت الصحافيين لذلك دفعاً.. ولا أفعل شيئاً سوى تذكر أني صحافية.. وأن عليّ مقاومة الاكتئاب!