.. وليس عبد الناصر، كما حلم البعض.
والسيسي جاء الى السلطة ملْتبساً ومستخدماً خطاباً مُعمَّياً في بداياته. ولكنه جاء بفضل قوة اندفاع الثورة المضادة (بكل مكوناتها، وهي أحياناً متنابذة) التي أرعبها انتفاض "يناير 2011"، فقررت استئصال جذوره ونبْتاته في آن. وهو جاء بفضل الرداءة العامة السائدة في العالم كله بلا استثناء، مع سيولة المقاييس والافكار، وطغيان قيم المافيا (البدائية منها)، ما جعل ترامب ممكناً، وجعل "دولة الإمارات العربية المتحدة" تظن نفسها وريثة القاهرة وبغداد وبيروت (معاً!) في الثقافة والفن، باعتبار القصة قصة فلوس..
مارس السيسي خلال ثلاث سنوات برنامجاً مكثفاً للقمع لم يسبق لمصر أن عرفت مثيلاً له حتى في أشد فترات القمع التي مرت بها، وبغض النظر عن السلطات الحاكمة المتعاقبة. فعلاوة على الاعدامات الصريحة، وعلى السجن المعلن، بما فيه ذاك داخل معتقلات مرعبة كسجن العقرب، هناك آلاف حالات الاختفاء القسري، وآلاف حالات التصفية خلال الخطف والاحتجاز.. ويجري اعتقال الناس وتعذيبهم واحتجازهم بلا محاكمة لأتفه الاسباب، حتى صارت مهزلة لو صح التعبير. وفي ابتكار جديد على مصر، حجبت مئات المواقع الإعلامية والثقافية، بينما كانت السلطات في السابق تعتبر أنه بإمكانها ترك هؤلاء "يثرثرون" باعتبارهم يشكلون نخبة معزولة ولا تؤثر على أحشاء البلاد. وفي السابق، حين

طال القمع والاعدام الاخوان المسلمين والشيوعيين، فقد انحصر بهم ولم يكن مفلوشاً على كتّاب يقولون كلمة في صحف الكترونية أو في فيسبوك، ومحللين أو صحافيين أو مصورين، أو حتى نشطاء لا يروقون لضابط في زقاق.
وهذا جانب واحد من المشهد. فالسيسي اتخذ قرارات اقتصادية ونقدية باتجاهات نيوليبرالية فجّة أين منها سياسة "الانفتاح" التي دعا اليها السادات وأقامت الدنيا عليه. وهو استدان فوق طاقة البلاد، وباع جزراً للسعودية مقابل المال ومقابل التقرّب منها ومن إسرائيل، وهو خصخص كل شيء، بما فيه تسريع تصفية التعليم العام بكل مستوياته، وبكل تباهٍ بإجراءاته في هذا المجال. وهو علاوة على ذلك يحلم بمشاريع إمبراطورية وينفذها بتسرع، ويعاند حتى بعدما يتبين فشلها، وهذا على الرغم من كلفتها الباهظة في بلد جائع، كتفريعة قناة السويس مثلاً، وكالمفاعل النووي، وكشراء الغواصات وغيرها من الاسلحة المعقدة، وحتى ــ وأخيراً ــ كنقل مركز الحكم، "العاصمة الادارية"، إلى خارج القاهرة تخلصاً من قرفها: الاكتظاظ والضجيج والتلوث والفوضى وطوفان الفقراء. فليغوروا في ستين داهية الـ20 مليوناً أو أكثر الذين يقطنونها.. ما لم يجرؤ عليه السادات في زمانه، وما خطط له صبية مبارك، جمال وعلاء، وعصابتهما ومن لف لفهما في "لجنة السياسات" في الحزب الوطني (وفي لجنة التطبيع مع اسرائيل)، ولم يمهلهما القدر لتحقيقه..



لكن السيسي يفعل أكثر من ذلك: يلتقي علناً بنتنياهو في الأمم المتحدة، في اجتماع رسمي محاط بكل الاصول واللياقات. ويتباحث معه، ويخرج في اليوم التالي بخطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يقول لإسرائيل: "لماذا لا نكرر التجربة الرائعة للسلام بيننا؟"، في إشارة إلى "معاهدة السلام" التي وقّعها السادات ومناحيم بيغن 1979 بعد اتفاقية كامب ديفيد 1978، وبعد زيارة الرئيس المصري لتل أبيب 1977. فمتى نرى السيسي هناك، طالما التجربة "رائعة"، وهي أدت الى تجريد سيناء من السلاح وإلى إمداد اسرائيل بالغاز والبترول المصريان، وإلى اغتيال السادات 1981..
ولم يكتفِ السيسي بذلك الكلام، بل دعا الفلسطينيين إلى "استغلال الفرصة المتاحة الآن (؟) والانطلاق لتحريك عملية السلام مرة أخرى (...) وقبول التعايش مع الاسرائيليين في أمان"، ما يفترض علناً (وليس ضمناً) أنهم الجهة التي تعطِّل الحلول وتقتل الإسرائيليين وتنكّل بهم. بل، وهو الذي يُحبّ اللحظات الدرامية ــ وإن المبتذلة ــ يقول موجهاً انفعالاته للعالم: "نحن مُقبلون على خطوة هائلة (؟؟) وهناك فرصة لكتابة صفحة جديدة من التاريخ بعملية سلام توفّر أمن وسلامة المواطن الفلسطيني جنباً إلى جنب مع المواطن الإسرائيلي".

***
لعل السيسي يتّكل على ترامب الذي قال أمام ذلك الاجتماع نفسه أنه ومساعديه قادرون على حلّ المسألة. وهو على أية حال كافأ السيسي مباشرة، وفي نيويورك، بإعلان رفع تجميد بعض المعونة العسكرية والاقتصادية التي كانت قد عُلِّقت بسبب حالة "حقوق الانسان" في مصر، مما لا يدخل في انشغالات ترامب بالطبع.
فهل من مزيد سيضاف على المشهد الأسود؟ الله يستر.