يتسم إسهام ميشال فوكو بالفرادة في أكثر من مجال من مجالات الفكر والتحليل، لعل أبرزها حين تتبّع علاقة السلطة بالمعرفة، وكيف يصل منطق السلطة لطبقات مضمَرة لا يكتشفها إلا الحفر في ثنايا المعرفة. وكانت حنة أرندت قد اشتغلت على موضوعة الأنظمة الشمولية (التوتاليتارية)، مبرزة منطق التغوّل والحضور الكثيف في كل مجالات الحياة، بما فيها الثقافة والفن، لأي نظام تسلطي.
والفن طيف من أطياف المعرفة الحديثة، بل هو أكثر أشكال المعرفة حضوراً في المجال العام وأبرز مرايا الثقافة المعاصرة سطوعاً، ممثلاً خصوصاً بشقه المرئي والمسموع: السينما والتلفزيون والراديو..
وبما أن "الواسطة" و"الوصولية" هما من أهم أسس النجاح في العالم العربي، وبما أن ميدان الفن كغيره من الميادين يحظى بتدافع حثيث لولوج أبوابه والوصول إلى النجومية عبره، فإن كل الوسائل تجنَّد لنيل الهدف المنشود. كثير من الفنانين في العالم العربي لا يصلون إلا عبر هذا المنفذ. وحتى ينجح سبيل الواسطة ويتوج منطق الوصولية، فيجب أن تكتمل المعادلة بإعلان الولاء لمنطق العصبة صاحبة القرار، والتي تحضر في كل محضر من خلال وزارة الثقافة وهرمها الممتد إلى هيئات الرقابة ومسؤولي السمعي البصري، الذين لا يكتب للفن النجاح إلا عبرهم.
الوقوف هنا قد يمنح أحقية للحجة القائلة بأن هذا لا يفسر إلا ما يتعلق بالإنتاج الرسمي الحكومي

وأعماله الممولة أو المرعية، وهو قد أخذ في الانحسار ليكتسحه الإنتاج المتعلق بالرأسمال الخاص الضارب بقوة في سوق الفن. ولكن هذه الحجة تتناسى أن أصحاب شركات الإنتاج الخاصة ومستثمري الفن ما هم إلا جزء من معمعة أصحاب القرار وفق معادلة المصالح المتبادلة.. والدائرة تدور في حلقة شبه مفرغة، واللحم لا يستطيع الخروج من الظفر كما يقول المثل، فكثير من القنوات الخاصة والإستديوهات مملوكة لرجال أعمال معروفين بعلاقاتهم المباشرة بالسلطات في الأنظمة العربية، وتراخيص البث عموماً لا تُمنَح إلا عبر الولاء.
وقد كشف "الربيع العربي" أكثر اللثام عن خبايا علاقة الفن بالسياسة، ووضع الكثير من الإنتاج الفني الذي سوّق لعقود استقلاليته في الإبداع على محك الواقع، وخصوصاً أن جزءاً مهماً منه استمد جماهيريته من خطابات نقد السلطة والانحياز لإرادة الشعب في العيش الكريم والحرية والعدالة. ومع سقوط بعض الأنظمة في أكثر من بلد كتونس ومصر وليبيا، ودخولها وغيرها في دوامة من اللااستقرار على مستوى سلطات الاستبداد بتنوعها وتفاوت درجاتها، استشعرت النخبة الفنية الخطر الذي قد يداهمها خاصة إذا ما تعلق الأمر ببعبع الإسلام السياسي الذي عرف تصاعداً ملحوظاً في إمكانية إمساكه بزمام الأمور.. لتحول الأحداث اللاحقة دون ذلك.

 

حتى ينجح سبيل الواسطة ويتوَّج منطق الوصولية، فيجب أن تكتمل المعادلة بإعلان الولاء لمنطق العصبة صاحبة القرار، والتي تحضر في كل محضر من خلال وزارة الثقافة وهرمها الممتد إلى هيئات الرقابة ومسؤولي السمعي البصري، الذين لا يكتب للفن النجاح إلا عبرهم.

 

ولعل أبرز ملامح استشعار الخطر يأتي من النخبة الفنية في مصر، وهي أكثر بلد عربي غزارة من حيث الإنتاج وتأصلاً تاريخياً من حيث الاصدار الفني والسينمائي، لنجد جل الممثلين والمخرجين والمنتجين يصطفون وراء السيسي على أكثر من صعيد: على مستوى الموقف السياسي التطبيلي، وعلى مستوى الإنتاج الفني.. فنلاحظ على سبيل المثال عادل إمام يخرج في مسلسل برمضان الفائت بعنوان "أستاذ ورئيس قسم"  يعزز ويستكمل حالة التنميط السينمائي لناقديه ممثَّلين بالإسلاميين واليساريين خاصة، حيث لطالما يُصوَّر الإسلامي من خلال المسلسلات والأفلام على أنه إما وصولي انتهازي أو متطرف معقّد في صورة شاب تم التغرير به من قبل تجار الدين. أما التدين الذي يتم تشجيعه وتغذيته في عيون المشاهد فهو تدين العجائز والمتصوفين، وتدين السبحة وتدين "احنا بنتشعبط في رضا ربنا". وأما عن الخصم التاريخي الآخر ممثلاً باليسار، فيتم تصويره دائماً على أنه إما برجوازي مترف يبحث عن معنى لحياته من خلال سردية ثورية ما، أو شخص مريض بالثقافة وقد كفر بالأديان ليؤمن بماركس وتروتسكي، ويتباكى لوأد حلم الثورة. وهناك أسلوب فني آخر تتبعه السلطة المصرية، يتجلى في حرف انتباه الشباب عن مشاكلهم الاجتماعية والاستبداد المحيط بهم، وتركيز اهتمامهم على أن "قد ايه الحياة حلوة بعيد عن السياسة وقرفها وقريباً من الرقص والديسكوهات..".



تأتي بعض الإنتاجات العربية الأخرى بعيدة قليلاً ربما عن هذا الوضوح في الانحياز الغالب للسلطة كما في حال الفن في مصر. ففي تونس مثلاً نجد بعض المسلسلات والأفلام تحاول أن تعبر عن رؤيتها حول الواقع السياسي بطريقة غير مباشرة، فنجد في "السيتكوم" (أو كوميديا الموقف وهي نوع من المسلسلات التلفزيونية الكوميدية بدأت في الولايات المتحدة) التونسي المشهور "نسيبتي العزيزة" حالة من النوستالجيا لزمن بن علي من خلال الرسائل المشفرة التي تصف المرحلة الحالية بمشهد قاتم وكيف أن الزمن الجميل قد ولّى.
وفيما يتعلق بالإنتاج السوري، نلاحظ حالة الاستقطاب الواضحة بين مؤيدي "الثورة" ومعارضيها، وحالة الاستقطاب هذه تتضح أكثر إذا ما تعلق الأمر بموقف ممثل الشعب دريد لحام من الأحداث الجارية الذي يعتبره كثير من محبيه القدامى موقفاً مخزياً ومعبِّراً عن منطق شعاراتي حتى في الفن في عالمنا العربي. كما نجد شكلاً آخر من التماهي مع السلطة من خلال الفن في بلدان عربية عديدة، منها الجزائر والمغرب مثلاً، إذ يتم تجنيد ترسانة من النجوم ليبثوا من خلال وسائل الإعلام المتنوعة على مسامع مُحبيهم أن الرضا بالوضع القائم ما هو إلا تعبير عن حب الوطن وحب قيم التعايش والتسامح، وأن كل نداء بالتغيير هو مؤامرة لضرب الاستقرار والوحدة. وأما عن الإنتاج الخليجي فهو عموماً ينحو منحى التركيز على مسألة "العنف والتطرّف" ليغطي على مشكلة الاستبداد..
رصد المشهد الحاضر بقوة في واقعنا العربي لا يبغي التعميم ولا ينفي أن أصحاب الرسائل المبدئية والكلمة المستقلة من الفنانين، على تنوّع مشاربهم موجودين في كل مكان من العالم العربي، لكنهم يظلون استثناءً يؤكد القاعدة، وإبداعهم لا ينتظر إلا أن تشرق شمس الحرية، فالفن والحرية وجهان لعملة واحدة.