يطول الحديث عن التعليم في مصر. يشتبك المجتمع بكل طوائفه وفئاته في صوغ المشكلات واقتراح الحلول، فيما يحظى المعلمون بالنصيب الأكبر من أطراف الحديث الصاخب دائماً. لكنه حالما نصل لما بات عليه المستوى التربوي والأكاديمي لكثير من معلمي مصر اليوم ــ خاصة في المدارس الحكومية والعامة ــ من تواضع شديد في القدرات والمهارات، فإن الحديث يتعثر كثيراً، حيث لا تجدي الوصايا المعتادة في حل المشكلة، فلا إيقاظ الضمير يُنمِّي المهارات ولا المساءلة القانونية تُجدي في تطوير القدرات. لذلك يُطرَح تنظيم دورات تدريبية للمعلمين  ــ لرفع كفاءتهم ــ كحل مباشر وإجابة فورية حاسمة على كل من يشكك في إمكانية تنفيذ الخطط التي يقترحها المسؤولون. وبالفعل تنظم الدولة تدريبات للمعلمين وتُلزمهم بالحضور فيها. ومؤخراً اقترح وزير التربية والتعليم الحالي أن يحرز المعلم عدداً من "النقاط" مقابل حضور أى تدريب على أن تترجم هذه النقاط مباشرة لزيادة في الراتب، ومزيد من "النقاط" مقابل تفعيل محتوى التدريب في الحصص.. وهكذا. لكن ما زالت جدوى العلاج الذي يُقدَّم كحل نهائي موضع سؤال، فهل تساهم هذه التدريبات في إفادة المعلمين أو تحقيق شيئاً ذا بال في تنمية مهاراتهم؟

 

لاعبون كُثْرُ.. وشِباك فارغة!

 

كما جرت عليه العادة في مصر، لم يسْلم ملف تدريب المعلمين من

هيستيريا إنشاء الهيئات وإصدار القرارات الوزارية التي تلاحق القضية نفسها بطرح عدد كبير من الفاعلين الذين يتصدون للعب أدوار غالباً متداخلة وغير متكاملة، بما لا يخدم القضية.  
وفيما يلي بعض من تلك الجهات المعنية بتدريب المعلمين: يُعنى مركز التطوير التكنولوجي الذي انشأ ب"قرار8 لعام 1997"، بتنمية بعض المهارات الحاسوبية والتكنولوجية للمعلمين. من جهة أخرى، يُفترض أن يتلقى المعلم تدريبات دورية في مدرسته، يُقدمها زملاء العمل الأكثر خبرة وهؤلاء العائدون من البعثات الخارجية، وذلك حسب الوارد بـ"القرار الوزاري 90 لسنة 2001"، الذي تضمن حتمية إنشاء وحدات للتدريب بالمدارس. هذا علاوة على التدريبات التي تقدمها "الإدارة العامة للتعليم والتدريب المهني"، المنشأة بـ"القرار الوزاري 107 لعام 2004"، والتي حددت مهامها بـ"إعداد وتنفيذ برامج تدريبية لرفع وتنمية مهارات العاملين بجميع المستويات فى الأنظمة التعليمية والتدريبية المختلفة المطبقة فى المدارس التابعة لنطاق إشراف الإدارة"، كأحد الأهداف العامة لها. فيما تأتي "الأكاديمية المهنية للمعلم" لاحقاً، والمنشأة ب"القرار 29 لسنة 2008"، وهي تُعنى بتسكين المعلمين الجدد على الكادر، وتنظم الاختبارات والتدريبات اللازمة لترقية المعلمين.


مشكلات كثيرة ترافق تدريبات المعلمين، منها ضعف قدرات المدربين أنفسهم، وعدم توافر أماكن مؤهلة لإجراء التدريبات، فيما جاء انفصال المحتوى التدريبي واستعلائه على واقع العملية التعليمية كأهم أسباب عزوف الكثير من المعلمين عن الاستفادة من التدريبات.


يُضاف لما سبق التدريبات التي تنظمها "إدارة التوجيه الفني" المعنية بالتخصصات الفنية المختلفة للمعلمين. وإن كانت كثرة اللاعبين ربما تساهم في توزيع العبء، ولكنها في الوقت ذاته تعزز إحتمالية  تشتيت المسؤولية وتقلل من إمكانية قياس النتائج.

 

عشوائية التدريبات

 

كما هو واضح، يتسم نظام تدريب المعلمين بدرجة كبيرة من العشوائية، ليس فقط من ناحية تعدد الجهات المنظِّمة للتدريبات، وإنما أيضاً بالنظر إلى كيفية ترشيح المعلمين  للالتحاق بتلك الأنواع المختلفة من التدريبات، حيث بين الحين والآخر تُرسل أي من الجهات المذكورة أعلاه خطابات التدريب إلى إدارة بعض المدارس، مطالبة إياها بترشيح  بعض المعلمين للالتحاق بالتدريب المنَظَم.

أحيانا تشترط جهة التدريب بعض المواصفات فيمن يحضر التدريب "مثل إجادة استخدام الحاسوب الآلي"، وأحيانا أخرى تستهدف التدريبات كل المعلمين بصورة دورية، ومرات ثالثة  تستهدف حضور عدد محدد كممثل عن بقية المعلمين. من خلال عدة لقاءات مطولة أجْريت مع بعض معلمي المدارس الحكومية والعامة، أبدى أغلبهم عدم ارتياحهم للتدريبات التي تنظمها الوزارة بشكل عام، بل وأنهم يتناحرون فيما بينهم على ألا تُرشِح إدارة المدرسة أحدهم  لحضور التدريبات أكثر من أقرانه، ويطالبون بتوزيع "عبء" حضور التدريبات على جميع المعلمين بالتساوي!


إقرأ أيضاً: مصر بعد خمسين عاماً.. التعليم مهزوماً


يختلف الحال بالطبع إن كان التدريب شرط للترقية. في هذه الحالة فقط يهرع المعلمون للتلبية طمعاً في تحسين الراتب، وفي ذلك يرى معظمهم أن سياسة التدريبات تكمل على طريق التعليم المصري العام نفسه، الذي يحصر التقدير بقيمة الشهادة.

 

تأهيل المعلمين لتفعيل موارد "غائبة" بالمدارس

 

مشكلات كثيرة ترافق تدريبات المعلمين، منها ضعف قدرات المدربين أنفسهم، وعدم توافر أماكن مؤهلة لإجراء التدريبات، فيما جاء انفصال المحتوى التدريبي واستعلائه على واقع العملية التعليمية كأهم أسباب عزوف الكثير من المعلمين عن الاستفادة من التدريبات.

ربما تكفي الإشارة لأحد تلك التدريبات كمثال يُفصِّل المشكلة، وهو أحد التدريبات التي يقدمها "مركز التطوير التكنولوجي" التابع لوزارة التربية والتعليم، يُعرف بتدريب "المعلم المعتمَد من مايكروسوفت" Microsoft certified educator،  ويدخل ضمن مجموعة تدريبات تنظمها شركة مايكروسوفت لتأهيل المعلمين. وهو يجسد بوضوح مدى انفصال التدريبات عن واقع التعليم في مصر.


يحتاج المعلمون إلي تدريبات تعزز من قدراتهم على إدارة الفصول عالية الكثافة دون اللجوء إلى العنف البدني أو اللفظي كوسيلة لإخضاع التلاميذ للنظام المرجو، كما تُعد القدرة على معالجة الطلاب العُنَّف بطرق سلمية واحدة من أكثر القدرات التي تعوز أغلب المعلمين.


يهدف تدريب MCE إلى تأهيل المعلم لتوظيف التكنولوجيا في التعليم بشكل محترف، حيث ينطلق من تصور للمدرسة كمكان مؤهل لتطبيق التكنولوجيا، لذلك يتكرر في محتوى التدريب إشارات للحواسيب المحمولة والانترنت اللاسلكي والفيديوكونفرانس.. وغيرها من موارد تكنولوجية "يُفترض" توافرها في حجرة الدراسة.  وكنموذج لأحد أسئلة الاختبار الملحق بالتدريب الذي يجب على المعلم اجتيازه، ينطلق السؤال من افتراض أن كل طالب يمتلك حاسوب محمول (!) فيقول: "كيف يمكن أن يدعم إعطاء حاسوب محمول لكل طالب التعلم بشكل تعاوني؟". ولما كانت المدارس بالفعل تعجز عن توفير حاسوب محمول لكل طالب أو حتى لكل مجموعة من الطلاب، فقد صار محتوى التدريب يمثل مادة خصبة للتندر بين كثير من المعلمين، وفي أحسن الأحوال يرى الجاد من المعلمين في شهادة الاعتماد من مايكروسوفت قيمة تستحق الانتباه، لنعود مجدداً لفكرة الشهادة كقيمة بحد ذاتها، أما مردود التدريب على واقع العملية التعليمية فلا يعني أحد!

 

تدريبات تحت الطلب

 

السؤال الأكثر إلحاحاً في حديث المعلمين، هو كيف ننادي بضرورة تعزيز استخدام التكنولوجيا في التعليم، في الوقت الذي تعاني فيه مدارسنا من فقر شديد في موارد التكنولوجيا؟ بينما، وبدلاً من ذلك أو على الأقل إلى جانبه، يحتاج المعلمون إلي تدريبات تعزز من قدراتهم على إدارة الفصول عالية الكثافة دون اللجوء إلى العنف البدني أو اللفظي كوسيلة لإخضاع التلاميذ للنظام المرجو في البيئة المدرسية، كما تُعد القدرة على معالجة الطلاب العُنَّف بطرق سلمية واحدة من أكثر القدرات التي تعوز  أغلب المعلمين.


هناك شعور عام يسيطر على كثير من المعلمين بأن أغلب المسؤلين يراسلونهم من خلال أبراج عاجية لا تعرف الإمكانات الحقيقة للمدارس، سواء فيما يتعلق بالموارد المالية، أو التجهيزات المادية، أو حتى قدرات المعلمين والطلاب القادمين من بيئات وخلفيات شديدة التفاوت.


أما عن تفعيل طرق التدريس الحديثة التي تعتني بالأنشطة التعليمية بدلاً من التلقين المباشر للمعرفة، فيشير أحدهم: "ارتفاع كثافات الفصول ليست العائق الوحيد أمام الأنشطة التعليمية، المانع الأهم هو ضيق مساحة الصفوف التي تستوعب تلك الأعداد الكبيرة من الطلاب"، ويستطرد: "أنا أتحرك في مساحة تقل عن المتر الواحد، وهي المسافة التي تفصل بين السبورة (اللوح) والصف الأول من مقاعد التلاميذ، لذلك فإن مددت ذراعي على راحته، اصطدم بالطالب الجالس في الصف الأول! فكيف يمكن تفعيل الأنشطة التعليمية، التي تُعتبر سهولة الحركة أحد أهم مقوماتها، في بيئة بهذا القدر من المحدودية؟ بينما يؤكد آخر: "إن كثافة المناهج تفرض علينا ضغطاً كبيراً نحو الإنجاز الذي لا يحققه سوى التلقين المباشر للمادة التعليمية، بينما التعلم من خلال الأنشطة التعليمية يحتاج إلى وقت أطول في معالجة كل موضوع ومناقشة كل فكرة، وبالتالي يتطلب عدد أقل من الموضوعات، ما يستوجب تقليل كثافة المناهج أولاً". ويُضيف ثالث: "أن التفكير في تصميم بعض الأنشطة يعني وبشكل مباشر التفكير في الموارد المالية اللازمة لتوفير بعض ضروروات تلك الأنشطة، وعلى الأقل ومثلاً أوراق ملونة ــ طابعة ــ أوراق اصلاً، فمن أين يحصل المعلم على التمويل البسيط اللازم لذلك؟ هل يُفترض به أن يشتري من ماله الخاص تلك المستلزمات؟"...

هذه بعضٌ من أسئلة كثيرة يطرحها المعلمون بصيغة تُؤكد التحدي بأكثر مما تستجدي الإجابة.  إلى جانب ذلك، يبدو أن هناك إجماعاً واضحاً على الاحتياج الشديد لتدريبات في  محتوى المواد التخصصية فضلاً عن طرق تدريسها، ويبدو أن الكثير من المعلمين يجابه بعض المشكلات في تحقيق درجة مقبولة من الفهم والاتقان للمواد التخصصية، خصوصاً اللغات والعلوم والرياضيات.



يمكن الخلوص إلى أن هناك شعور عام يسيطر على كثير من المعلمين، بأن أغلب المسؤلين يراسلونهم من خلال أبراج عاجية لا تعرف الإمكانات الحقيقة للمدارس، سواء فيما يتعلق بالموارد المالية أو التجهيزات المادية أو حتى قدرات المعلمين والطلاب القادمين من بيئات وخلفيات شديدة التفاوت. تبقى رسالتهم الأهم أن الواقع الذي يعايشونه أعقد كثيراً مما يتخيله المسؤلون الذين يبثون مقترحاتهم لعلاج مشكلات التعليم عن بُعد، فيما يظل الملمح الأخطر في كل ذلك، أن طائفة كبيرة من المعلمين لا يُصدِّقون أن ما يتدربون عليه قابل للتحقيق ــ بالأساس ــ في البيئة التعليمية الموجودة حالياً، وهم ربما لذلك لا يعيرونه أى اهتمام! وعليه، فإن مناقشة المعلمين، والاقتراب من بيئات العمل وتغطية حقائقها الصادمة، والسعى نحو تفصيل تدريبات مناسبة تعزز مهارات المعلمين في التعامل مع مشكلات الواقع، ربما يكون الاحتياج الأهم في الوقت الحاضر، بدلاً من استمراء تمثيلية التدريبات التي تستند لأرضية يراها المعلمون سقفاً عالياً لا يُطال!