يرى وزير المالية التونسي، المستقيل من "حكومة الوحدة الوطنية" والمحسوب على الشق الليبرالي المتشدد داخل هذه الحكومة، أن صندوق النقد الدولي هو من يجب أن يرضى على الدولة التونسية وليس العكس. فالوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد يفرض الاقتراض حتى تتمكن الحكومة من سداد أجور الموظفين، ومن الوفاء بالتزاماتها، باعتبار غياب البدائل الأخرى. وقد أكد تصريحه أن خطاب الحكومات في تونس حول مسألة الاقتراض من البنوك العالمية صار يشبه إلى حد ما خطاب "المومسات" اللواتي يبررن بيعهن لأجسادهن بكونهن مجبرات على ذلك من أجل إطعام أطفالهن الجوعى.
.. والفارق أن "المومس" قادرة في أحيان كثيرة على خلق مساحة للتفاوض مع زبائنها بما يحسن شروط الصفقة. لكن الحكومات في تونس منذ الثورة صارت مهتمة فقط بأن تأتي بالمال من أجل تأجيل الاحتقان الاجتماعي، وإدارة بؤر الفقر، وتوزيع ريع الوظيفة العمومية، من دون أن تمتلك سياسة استراتيجية حيال الدين الخارجي، ومن دون التفكير في التبعات الاجتماعية التي تترتب على شروط الممولين القاسية، في الوقت الذي تخفت فيه الأصوات النقدية التي تمتلك الجرأة على تحليل خطابات "الليبراليين الجدد" المتعلقة بإصلاح الإدارة العمومية ودعم مناخ الاستثمار. فكأنما الجميع في تونس يريد أن يأخذ نصيبه من "النيوليبرالية" من دون أن يكون معنياً بالنتائج

المستقبلية لعملية "التدمير الخلاّق" لسيادة الدولة أساساً، وللعلاقات الإجتماعية وطرق التفكير والحياة والشعور، من قِبل قوانين السوق بوصفها صاحبة منظومة أخلاقية في ذاتها (كما يقول استاذ الانتروبولوجيا والجغرافيا "دافيد هارفي")، حيث يصبح كل شيء محدد داخل حيز "السوق".
ويتم الترويج الدائم وعبر آليات متعددة لفكرة مفادها أن عهد "الدولة الراعية" قد ولى، وأن على كل فرد أن يدبر أمره بنفسه بعيداً عن شبكات الأمان المؤسساتي. بالمقابل تتزايد وتيرة الاحتجاجات الإجتماعية ويحاول الجميع التمسك بتلابيب "الدولة الهاربة من المسؤولية الإجتماعية". وأما الفئات التي اعتقدت أن "ثورة 14 جانفي 2011" هي "بابا نويل" سيأتي بالعدالة والرفاه فتجد نفسها في حالة إحباط وإفقار متزايدين ويرتفع شعورها باللاعدالة. ويعزز الأمر تزايد اعتماد الدولة على سياسات الإقتراض الخارجي من أجل "سدّ العجز الحاصل" الذي يتبعه في كل مرة "عدم التزام الدولة"، ما يدفع فئات واسعة الى اللجوء للإقتصاد "اللانظامي"، في محاولة للاستفادة من كل الهوامش الممكنة.
يشترط صندوق النقد الدولي "إعادة تشكيل الدولة" بناء على الممارسات غير القانونية الشائعة والمندرجة في نطاق "الفساد"، الذي أدرجت محاربته ضمن "خطط الإصلاحات" المرتبطة بالإقراض. خطاب خبراء صندوق النقد الدولي يشدد على ضرورة حرص الدولة على "خلق مناخ مؤات للتجارة للاستثمار" الذي يعني ضمان حرية الأسواق المالية وضمان المنافسة، والتخلّي عن النزعة التدخلية للدولة التي تكتفي بدور تعبئة الموارد العمومية لإقامة البنى التحتية الملائمة لعالم الأعمال، وتقديم الحوافز الجبائية للمستثمرين، ولجم "جشع" النقابات والحد من تنامي الحركات الإجتماعية ولو باستخدام القوة.

 

العلاقة الزبائنية مع صندوق النقد الدولي

 

يعيد الخطاب الرسمي للحكومة التونسية أسباب الأزمة الاقتصادية إلى "المطالب الإجتماعية المجحفة" التي تدعمها النقابات، بينما تدعو جماعات "النفوذ المالي" و"النخب الجديدة للعولمة" الى نموذج إقتصادي يرتكز على فتح الأبواب الواسعة بلا قيود أمام المبادرة الخاصة. وهذا الموقف يتطابق مع أطروحة البنك الدولي الذي أصدر مؤخراً تقريره "تونس: الثورة غير المكتملة"، الذي يرى أن النموذج الاقتصادي التونسي ظل من دون تغييرات جذرية، "وذلك من خلال استمرار الدولة في عملية السيطرة الوثيقة على معظم قطاعات الاقتصاد المحلي"، فهناك 50 في المئة من الإقتصاد التونسي لا يزال مغلقاً والدخول إليه خاضع لقيود. والهدف هو فتح الأسواق المحلية أمام الشركات الأجنبية دون ضوابط وقيود، وتوسيع دائرة المنافسة. يتم الترويج لهذه الوجهة بطريقة ناعمة بغرض تسييد الاعتقاد بأن مزيداً من ''الإنفتاح" و"المرونة" هما الحل السحري للمشكلات الإجتماعية المتمثلة أساساً في البطالة وغياب فرص العمل للفئات الشبابية خاصة.


يحاول الخطاب الرسمي إضفاء بعد تشاركي على هذا المسار بالترويج لفكرة أن على الجميع أن يضحي بشيء للخروج من الأزمة. ومن جهة أخرى يجري تشجيع الإقتراض البنكي من أجل الإستهلاك، وهو يطال بالدرجة الاولى الفئات المتوسطة.


وكانت الحكومات المتعاقبة بعد 14 كانون الثاني /يناير 2011 (تاريخ هروب الرئيس السابق بن علي) قد قامت بمراجعات كبيرة في قانون الضرائب الذي إتجه إلى تخفيض الضرائب على الإستثمارات وتقديم مزيد من الحوافز الجمركية. بالمقابل شرع في إجراءات تقشفية قاسية، طالت الفئات المتوسطة والفقيرة وتمثلت في رفع الدعم عن الوقود والمواد الأساسية. بررت الحكومات ذلك بأن سياسة الدعم خانقة للميزانية وأنه يجب أن يقع "ترشيد" للميزانية على نحو يخفض من حدة الإنفاق على الجوانب الإجتماعية. وظهر ذلك بتجميد التوظيف في القطاع العمومي الذي تقول الحكومات أنها مجبرة على الإقتراض كي تستطيع سداد الأجور في هذا القطاع. كما يشار الى حالة إفلاس الشركات العمومية (شركات النقل والكهرباء وتوزيع المياه..ألخ) وأنها أضحت بدورها عبئاً لا يطاق على الميزانية. وهي بدأت في إعادة هيكلتها بغاية تقليص ديونها وتحسين فاعليتها الإقتصادية وخفض عدد عمالها... ويرجح أن يجري بعد ذلك عرضها للبيع.
يحاول الخطاب الرسمي إضفاء بعد تشاركي على هذا المسار بالترويج لفكرة أن على الجميع أن يضحي بشيء للخروج من الأزمة. ومن جهة أخرى يجري تشجيع الإقتراض البنكي من أجل الإستهلاك، وهو يطال بالدرجة الاولى الفئات المتوسطة. وقد بين المعهد الوطني الإستهلاك أن عدد العائلات التي تعيش على الاستدانة البنكية بلغ 8000 عائلة.


إقرأ أيضاً: الاحتجاجات الاجتماعية في تونس: "حركة بلا بركة"؟


وتعمل الحكومة جاهدة على تغيير البنى التنظيمية التقليدية للعمل من خلال دعم التربصات المهنية للإعداد للحياة المهنية تحت شعار إعادة تنشئة مهنية جديدة لخريجي الجامعات تحت تعلة تمكينهم من مهارات ملائمة، لمقتضيات القيم الجديدة لسوق الشغل المتأسسة أساسا على "عقود العمل قصيرة الأمد"، وعلى الكفاءات الفردية مما يجعل البطالة نتيجة ضعف في المؤهلات الفردية وليس نتيجة للسياسات. فالرهان الأساسي هو نزع التسيس عن تنامي البطالة، وذلك من خلال فردنتها وجعل العاطلين مجرد حالات وأرقام مرسمة بمكاتب التشغيل. لهذا فالرهان الثقافي الأبرز هو دعم الخيارات الفردية وتحطيم كل أطر التكافل الاجتماعي وأهمها النقابات. فتحت تعلة محاربة التضخم، يتم أساساً توجيه ضربات قاصمة للنقابات التي يجيش الإعلام بصفة مستمرة ضدها إلى حد الذي بات ثمة جزء من "الرأي العام المحلي" يعتقد أن مصائب الأزمة هي نتيجة الإضرابات النقابية المستمرة.

 

معركة تفكيك الدولة الإجتماعية

 

"السياسات الإصلاحية" التي يدّعي صندوق النقد الدولي أنها ضرورية لتونس للخروج من أزمتها الإقتصادية، مدعوماً بخبراء الإقتصاد المحليين، هي عنوان معركة وشيكة ضد "مكتسبات الدولة الإجتماعية"، حيث يراد لفكرة أن تدخل الدولة هو المشكل وليس الحل أن تترسخ بشكل كاف في الأذهان، وأن تدخل مؤسسات الأمان الإجتماعي (الصحة والتعليم والإنفاق العمومي على البنى التحتية) الى حيز السوق. فـ"لكي تصبح أية طريقة تفكير سائدة، لا بد لها من جهاز مفاهيمي متكامل"، كما قال دافيد هارفي.



وقد بدأت حكومات ما بعد الثورة تسير على نحو متردد في هذا الاتجاه، وهناك علاماته جلية على ذلك أهمها تدهور القطاع الصحي العمومي، وتراجع نجاعة المدرسة العمومية، واهتراء وسائل النقل العمومي، وتزايد تعويل الفئات المفقرة على "إقتصاد الإستمرار على قيد الحياة"، حيث يختار شبان الأحياء الفقيرة المحيطة بالمدن الكبرى الإنطواء على أنفسهم مستندين إلى تجارة المخدرات، وبيع الخمور خلسة، والدعارة السرية، وهي نشاطات تراقبها السلطات وتصمت عنها في أحيان كثيرة.
تلقت تونس القسط الثاني المقدر بـ314 مليار دولار بعد أن تراجع التراخي الحكومي في تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي، ليقرّر بعدها البنك المركزي التونسي "تعويم الدينار": ارتفعت الأسعار وسادت حالة من القتامة والتشاؤم. لكن مع هذا، فسيرروة تفكيك دولة الرعاية الإجتماعية في تونس لا تزال في بدايتها. ذلك أن الاعتقاد في الدور الإجتماعي للدولة لا يزال راسخاً و"قوة الأمل" في دولة محكومة بقيم العدالة الإجتماعية لا يزال قوياً في تونس. وهي معركة مرتبطة بمدى قدرة الحركات الإجتماعية والمنظمات النقابية والقوى المدنية على خوضها من دون إضعاف قدرتها التفاوضية.