"أسور لخا لكانيس": ممنوع عليك الدخول. "لِخْ لَبَيِت شلْخا مِهَدِلِت أخي كروف": اذهب إلى بيتك من البوابة الأقرب.. قال الجندي الإسرائيلي المتمترس إلى جانب "حائط المبكى الصغير" كما يسمونه، الذي "اكتشفوا حجارته" بالقرب من باب الحديد المؤدي للمسجد الأقصى، موجهاً أوامره إلى شاب يحمل بطيخة. نادى الشاب بأعلى صوته: "يااااا خضر، مش قابل الجندي يخليني أخش عندك، تعااااال خذ البطيخة". ظهر خضر من وراء الحاجز الذي اصطف خلفه الجنود المدججون بالأسلحة. يشير خضر للشاب بيده ويقول: "يا زلمة قَرّب لجاي". لكن الجندي وقف في الوسط وقال لهم: "ممنوع إنتَ تُخرج من بيتك وإِنت ممنوع تدخل لبيتو، مفهوم؟". نظر الشاب إلى البطيخة الكبيرة التي بين يديه، ثم قال للجندي: "طيب خذها انت"، ثم رمى البطيخة بين يدي الجندي الذي استاء من استجابة ذراعيه لحركة الشاب، فأصيب بارتباك، ونظر إلى اليمين ثم إلى الشمال ثم إلى الخلف، حيث تقف دستة من الجنود، ثم أطلق البطيخة نحو أحدهم. تلقّفها رفيقه بسرعة ودار إلى جانبه، وناولها لجندي آخر.
حسن، الوافد من أميركا لقضاء عطلة الصيف بين الأهل والأصدقاء، في مدينته القدس، أبى إلاّ أن يذهب إلى البلدة القديمة مع زوجته وأبنائه، حتى وهي تحت الحصار من الجيش والشرطة. قال لمرافقه من سكان البلدة القديمة: "كم هي

حزينة القدس". ردّ عليه ابن طريق الواد، المؤدي لأكثر من بوابة للمسجد الأقصى: "القدس حزينة ليه؟ القدس سعيدة، القدس هذه حفلتها، عادت إلى قلوب المسلمين، وَحّدتهم، دعتنا للصلاة في شوارعها، جميعنا. حتى المسيحيون أتوا ليصلوا معنا، ماذا تريد القدس أكثر من ذلك؟ القدس في أفضل أحوالها، منذ صلاح الدين. تذكر الناس أهمية عناق مدينتهم. القدس سعيدة".
منى الصغيرة، التي اصطحبها والدها حسن، وقفت أمام باب السلسلة، أحد الأبواب المؤدية إلى المسجد الأقصى. تصرّ الفتاة التي لم تتجاوز الرابعة عشرة بعد على دخول المسجد، فيقول لها حسن ومرافقيه، إن الموقف الوطني مجمع على عدم قبول الحواجز التي وضعها الإسرائيليون أمام البوابات. لكنها ضربت قدمها ثم صاحت بوالدها بأنها أتت بغطاء للرأس، وستدخل من الحاجز الإسرائيلي. حسن يقول لها أن عملية وقعت اليوم في مستوطنة حلاميش استنكاراً للحواجز الإسرائيلية، وإن انتقامهم سيكون دموياً.


من دفاتر السفير العربي:

القدس: المدينة التي وقعت عن سكة الوقت

 


منى تبكي بينما تجرّ الحجاب الملون وراءها، فهي لا تفهم هذا الظلم الذي حلّ عليها، ولم تفهم الظلم الذي حلّ بمدينة والدها وجدّها. لم تعرف أن أطفال القدس من جيلها يسقطون تحت الرصاص. أحلام منى مزخرفة بالأجساد المتجاورة في ركوع ربّاني في باحة المسجد الأزرق الذي تعتلي جدرانه قبّة ذهبية، تضيء مثل منارة، لكن بعين لا ترف، ترسل أشعتها إلى كل نواحي المدينة وإلى جبالها المحيطة التي اعتلتها المستوطنات. الضوء يصل إلى القرى الفلسطينية المحاذية، جبل المكبر، السواحرة، أبو ديس، سلوان، العيزرية، الطور، السواحرة.
منى الصغيرة لا تعرف السيدة ش، التي يشارك بيتها سور المسجد، وسطوح بيتها تطل على المصلّين، وبوابة بيتها تقع تماماً عند بوابة المسجد، وبالتالي قبل الحاجز، وبالتالي على السيدة ش أن تدخل وتخرج من بيتها من الحاجز. تضع حقيبتها وما تسوّقته من بطيخ وغيره وما في جيوبها على طاولة التفتيش. منى لا تعرف أن ابن السيدة ش، الذي يخاف أن يمسك به الجنود لأنه شاب، يفضّل طريق السطوح، والاختباء وراء القباب، حتى بيت الجيران، ثم الخروج من سلم، ثم القفز إلى الزقاق المؤدي إلى السوق.
صدحت المساجد بالخطابات الدينية التي اعتلاها السياسيون قبل الشيوخ، زعق هذا بالملايين من المسلمين في العالم، وعاتب آخر ملايين المسلمين على تقاعسهم عن نجدة القدس الشريف، وقلّل آخر من أهمية تصريح ذاك، واتهم أحدهم زعيم دولة بالاسم، وآخر مدح زعيم آخر. لم ينتبه أحد منهم إلى أنه يزعق في مكبرات صوت، ولا حاجة للزعيق وبيده ميكرفون. جميعهم غاب عن بالهم معنى الحديث مع الأرواح، تخلّوا عن فن الهمس، الذي يشد السمع. رجل ينادي: "إحنا في واد وهم في واد يا أهل طريق الواد".
اصطف المصلّون في طريق الواد قرب باب المجلس. كلّ منهم جاء بسجادة الصلاة، ومن دون أن يلقوا بالاً لخطابات الساسة أو الشيوخ، ركعوا على بلاط القدس التي تحولت طرقاتها وأزقتها وقناطرها إلى مسجد كبير يحيط بالمسجد الأقصى، استنكارا للبوابات الالكترونية والكاميرات المزروعة أمام كل باب.
وقف جنود وشرطة، أمام وخلف كل مجموعة من المصلين، وقفت الكاتبة الدنماركية ميدِه، منتظرة مع المنتظرين حتى انتهاء الصلاة، راقبت الجنود يحتضن كل منهم دزينة من قنابل الغاز علقت بحزام جلدي أسود، وحمل كل منهم سلاحاً ضخماً تصل حافته الى الوجوه، لبسوا النظارات مثل المرايا، وبانت وجههم الجامدة جاهزة لأي حركة يعتبرونها حاملة لأي نوع من التهديد.
قالت ميدِه هامسه: "يبدون أشرس من الجدار الذي سجنوا أنفسهم به مثلما سجنوا الفلسطيني". ثم نظرت نحو جنديّة تطلق نظرات نارية نحوها، وهمست: "لا أعتقد أنها تتخّلى عن هذا الوجه عندما تقبّل ابنها قبل النوم". يجيبها جارها: "لا.. لا، غلطانة، لديهم انفصام روحي، ستندهشين، عندما تعرفين بأنها ستذهب في المساء تبلل نفسها بمياه البحر، وتضحك من دون أن يرف لها جفن لمشهد طفل فلسطيني يرتجف وسط دمه مثل دجاجة قطع رأسها للتو".
على صوت المصلين بنداء الله، بدا المشهد لا شبيه له: بصمت عسكري مهدّد بنداء الله، الله، الله، الله.. فكّوا البوابات الالكترونية، مثلما ركّبوها، مع بعض الخراب من الحفر التي سيذكرها كلّ من دخل أحد الابواب المؤدية للمسجد الأقصى.



لكن باب حطة بقي مغلقاً. وكان الرد على ذلك إقامة صلاة العصر في الأزقة. رفع المصلون والد الشهيد محمد ابو غنام على الأكتاف وتوجهوا نحو باب حطة. أمواج من الأجساد البشرية انحشرت في الأزقة. خبر ينطلق بين البشر بأن باب حطة فُتح. يندفع الآلاف إلى ساحة المسجد الأقصى ويرُفع العلم الفلسطيني على المسجد.
فرح، تصفيق، هتافات، صوت واحد: الله أكبر. أقيمت صلاة من العناق والتصفيق على ألحان حناجرالناس. ثم دويٌ هائل لقنابل الصوت، انتشر الغاز الذي حجب الملامح والأشجار، دبّ الذعر، تراكض الآلاف في جميع الاتجاهات، نظر الجميع صوب العلم الفلسطيني، كان يزيله فريق من الجنود. انعكست أشعة الشمس على قبة الصخرة ذهبية، التي بدورها تحوّلت إلى ظلال ناريّة اللون على بلاط الساحات، حيث يركض الرجال والنساء وفوقهم سحاب من الغاز. لا أحد يفهم ماذا يحدث. الكل يركض، الكل منتصر، الكل محارب، الكل يصرخ الله أكبر.
وردت على بالي مقولة: "لا يوجد في العالم سوى حكايتين يجدر الكتابة عنهما، وهما تدوران حول شخص يهجر وطنه، أو غريب يدخل مدينة". ردد هذه المقولة إنسان من شعب الآزتك..
ورد على بالي ردّ الشاعر سميح القاسم على السؤال، لماذا لا تكتبون أنتم الفلسطينيون سوى عن الاحتلال، وكأنه لا توجد هناك مواضيع اخرى؟ رد عليه سميح: "اليوم اتخذتُ قراراً بأن أكتب عن الوردة، وما إن أمسكت بالقلم، وإلاّ بِبلدوزر إسرائيلي عظيم، يتقدم ويجرف الوردة!".