شمران الياسري، أيقونة السرد الشعبي العراقي ومجهر الريف وضميره الحي. الرجل، بزيه القروي متلفعاً بعباءة يعلو هامته عقال "حياوي" غليظ أستقر على شماغ يوحي منذ الوهلة الاولى بانتمائه الى ريف نهر الغراف المنحدر من مقدم سدة الكوت والمتجه صوب الجنوب.
بزغ نجمه بعد 1958 في الإذاعة عبر برنامجه "أحكيها بصراحة يا أبو گاطع" الذي يُجلس الجميع قرب الراديو الخشبي ذو البطارية الكبيرة لينصتوا اليه. يقول فلك الدين كاكائي، وهو مثقف كردي بارز، إن الكرد كانوا ينتظرون إذاعة برنامجه مثلما ينتظره أهل الوسط والجنوب". تولى ابو گاطع مهمة النقد لكل من يستغفل الفقراء حتى صار نافذة الحقيقة للفلاحين لتجده يحدثهم عن الثورة وقانون الإصلاح الزراعي. كانت أولى بداياته مع الصحافة عام 1953 حين أصدر جريدة سرية اسمها "صوت الفلاح" كان يكتب فيها ويوزعها بسرية بين أوساط الفلاحين التي ينتمي لها. بعد ثورة 14 تموز عام 1958 عمل في عدة صحف في العاصمة بغداد: "صوت الاحرار"، "البلاد"، "الحضارة" التي كانت تصدر آنذاك. تمّ توقيف أبو گاطع عام 1962 بتهمة توقيع نداء السلم في كردستان. ثم أطلق سراحه قبل الثامن من شباط 1963 فقصد مدينة الكوت، وهناك أصدر صحيفة "الحقائق" التي كانت تمثل لسان حال الحزب الشيوعي بالمحافظة. بعد ذلك ومع مطلع السبعينات كتب ابو گاطع في "طريق الشعب" و"الفكر الجديد" و"التآخي" الكردية كما رئس تحرير "الثقافة الجديدة".
كصانع سجاد ماهر دقيق ينسج عموده الصحافي بلغة رشيقة تطبعها السخرية، وبمعرفة بثقافة البلاد العميقة، تلك الراسخة بين الناس المنتقلة من جيل الى جيل، المستندة الى روايات واقعية وأخرى تراثية أو أسطورية والى أمثلة شائعة يوظفها في سياق الواقع الذي يتناوله رفقة شخصيته "خلف الدوّاح" التي صارت هي الاخرى لصيقة به، تماماً مثل كنيته التي طغت عل اسمه. وهو استغل هامش الحرية آنذاك لإيصال ما يريد. اجتمعت الاضداد حول أبي گاطع، فالمثقفين والبسطاء على السواء يقرأونه وأهل السلطة ينتظرون ما سيسلط عليه الضوء، ويخشونه.



ينحدر أبو گاطع من أسرة هاشمية ("السادة") وقد بزغ نجمه منذ كان ابن 16 عاماً، يجالس الكبار ليحدثهم وينصت له الجميع لبلاغته ولاستنباطه تفسيراً لاوضاعهم. وقد وصل لنا نتاجه الادبي روائياً اكثر منه إذاعيّاً عبر رباعيته "غنم الشيوخ" ، "فلوس حميد"، "الزناد"، "بلابوش دنيا". الرباعية هي رحلة أنثروبولوجيه في الريف تنقل صورة دقيقة لحياته ايام الاقطاع والملكية ثم مرحلة عبد الكريم قاسم والصراع الفكري الذي طغى خلالها. فيها كل شيء: النسيج الاجتماعي، العشائر ومنظومتها، الحب، وضع المرأة، والانتهازية والبساطة..
ولأنه كان رقماً صعباً في معادلة الحزب الشيوعي آنذاك وصوتاً مؤثراً، أخذت السلطة تعمل على مضايقته وحاولت اغتياله أكثر من مرة في مدينة الكوت بوسائل عديدة، فخرج من العراق عام 1976 وسافر الى براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا آنذاك.  في صبيحة 17 آب/ اغسطس 1981 رحل أبو گاطع بحادث سير، ودفن في مقبرة الشهداء في بيروت.
ترك أبو گاطع ارشيفاً ادبياً يحفظ تراث الريف الجنوبي بكل تفاصيله، وتحتاج قراءته لطقوس فك رموز تلك الطلاسم اللغوية المستندة الى "الحسجة" وهي اللهجة الخاصة بأهل الجنوب.