كأنه لا يكفي أن يكون تراكم عمليات المضاربة البنكية على أنواعها، التي سادت في العقود الثلاثة الأخيرة (منذ بدء ما يؤرّخ له بالنيوليبرالية في مطلع عهد الرئيس الاميركي رونالد ريغان ومستشاره ميلتون فريدمان الاقتصادي الحائز على نوبل في 1976) قد أدت الى ما سُمي "أزمة 2008"، وفوضى وانهيارات في المنظومة الاقتصادية السائدة شُبِّهت لجهة عنفها بازمة 1920 الطاحنة.
وكأنه لا يكفي أن تكون البنوك "الرسمية" (الاحتياطي الفيدرالي الاميركي والبنك المركزي الاوروبي) قد استخدمتا المال العام لتهدئة الهلع ولانقاذ البنوك التي ضاربت بأموال المودعين.
وكأنه لا يكفي أن يكون البؤس المريع الذي يعيشه حتى اليوم بلد مثل اليونان، والذي عاشه بلد مثل اسبانيا، والذي يهدد كل يوم وحتى الآن بالإطلال برأسه في بلدان كإيطاليا والبرتغال (حتى لا نذكر إلا البلدان الاوروبية العريقة..) هو نتاج هذه السياسات المغامِرة والباحثة عن الربح السريع بواسطة التلاعب برأس المال المالي، الفعلي منه والافتراضي، وبفضل الاقتراض المنفلت من كل عِقال ومعايير، والتوظيف في المضاربات كلها، والعقارية منها على الأخص.
وكأنه لا يكفي أن يكون النجم المثير لأحلام جيل بأكمله، هو الـ"غولدن بوي"، أو الـ"trader" المضارب في البورصة والوسيط في سواها من الأسواق المالية، الشاب الذي راكم الملايين في وقت

مقالات ذات صلة:
.. النظام العالمي!
قليل. وهناك زميل له لا يقل افتراساً عنه، يعمل غالباً في الظل ويقدس الكتمان، وهو مختص بالتوظيفات والاستثمارات "Hedge funds" التي تزيد أرباحها كلما ارتفعت مخاطرها. يتبع البطلين فريق من المحللين من حملة الدكتوراه في السياسة والاقتصاد المنتزعة من أعرق جامعات العالم، ومن الحقوقيين التقنيين، حيث أصبحت اختصاصات "البزنس" مثل "الدمج والاستحواذ"، وقانون الاعمال، هي الفروع التي يتنافس الطلبة في كليات الحقوق للوصول إليها.. وكل ذلك "العلم" لم ينفع في عقلنة الممارسة الاقتصادية أو في تجنب الكوارث، بل كان هو نفسه في أساس التمويه على الأزمة حتى انفجرت. وقد قدّر صندوق النقد الدولي حجم الخسائر المسجلة بين عامي 2007 و2009 بالف مليار دولار، كلها كانت في ما يسمى "النشاطات السامّة" والاقراض المشبوه.
... كل ذلك أضيف إليه "اكتشاف" مرّ في زمانه (2009) مرور الكرام بحكم الدوامة التي كانت تنتاب العالم وتدوخه، ويعاد اليوم استحضاره والتداول به: لقد أنقذت أموال المخدرات (وأموال ناتجة عن نشاطات جرمية أخرى) البنوك في زمن تلك الأزمة المهولة. لقد جرى تبييض ما يتجاوز 352 مليار دولار أودعت نقداً في البنوك مع علم هذه الاخيرة بمصادرها. المعلومة أدلى بها رئيس مكتب مكافحة المخدرات والجريمة في الأمم المتحدة. ويقول الرجل الذي تقع مكاتبه في فيينا بالنمسا، أن صندوق النقد الدولي يعرف ذلك، وأن اجهزة الاستخبارات والمدعون العامون هم من لفت نظره إلى الواقعة.. ما يعني أنها معروفة من السلطات العليا في البلاد التي تعمل فيها تلك البنوك (الاميركية والسويسرية والبريطانية والايطالية بالدرجة الاولى)، والتي تبادلت قروضاً سائلة تلك مصادرها. ويقول أيضاً أن تلك الاموال غُسلت أو بُيضت بنجاح وأنها اصبحت جزءاً من النظام الاقتصادي الرسمي.
ولكن، وبعد النجاح في تهدئة تلك الازمة والالتفاف عليها في لحظة انفجارها الكبير بعد سلسلة من الهزات، وما بدا عودة لرشد ما مع انتخاب اوباما الى الرئاسة الاميركية، فها العالم بعد أقل من عشر سنوات يعود إلى السيرة نفسها: ترامب في واشنطن وماي في لندن وماكرون في باريس!