مع بداية أيلول/ سبتمبر الجاري، وفي اجراء غير مسبوق، قامت الحكومة التونسية برفع سعر المحروقات، وإن بنسبة غاية في الضآلة. تتراوح الزيادة بين 80 و100 ملّيم (حوالي 0.05 و0.06 دولار)، وتشمل البنزين الخالي من الرصاص ورفيع المستوى، والديزل، والفيول. أصبح سعر اللتر الواحد من البنزين بموجب هذه الزيادة 1.470 دينار (0.936 دولار)، مقابل 1.370 دينار (0.872 دولار) سابقاً. وكذلك جرى رفع سعر الحليب، بإضافة 100 مليم. وفي هذا الخصوص، قال وزير الصناعة في الحكومة التونسية المؤقتة: "إن هذه الزيادة تندرج في إطار السعي الى خفض عجز موازنة الدولة، والتقليص من ضغوط الكلفة الباهظة لدعم المواد الأساسية".
وبما ان الصندوق العام للتعويض يتدخل أساساً للمحافظة على القدرة الشرائية للمواطن، وضمان التزويد المنتـظم للسوق بالمواد الأساسية، فسياسة دعم هذه المواد وتخصيص صندوق لها تعود إلى أربعينات القرن الماضي بمقتضى "الأمر العلي" بتاريخ 28 حزيران/جوان 1945، والذي تتأتى موارده في الجزء الأكبر منها من الاعتمادات المرصودة بميزانية الدولة بعنوان "دعم المواد الأساسية"، والبقية تُعتبر موارد خاصة.
يشمل الدعم العديد من المواد، كانت تعتبر في القرن الماضي ضرورية لتحسين جودة الحياة وضمان مستوى غذائي بحدٍ أدنى للمواطن، منها الحبوب والصابون والزيت والسكر. كما ان ضبط عناصر كلفة بعض المواد كان يهدف للضغط على أسعارها وجعلها في مستويات مقبولة، مثل كلفة نقل بعض المواد الزراعية والأسمدة الكيماوية، وتعديل أسعار البيع للعموم لتغطية ارتفاع تكاليف إنتاج المواد المدعمة جزئيا. ومؤخرا، صرح وزير المالية بالنيابة لبعض الاذاعات التونسية بأن العجز في موازنة الدولة التونسية يبلغ نحو 6.6 في المئة منها، وأن مجمل كلفة دعم المواد الأساسية تُقدر بحوالي 3.76 مليارات دولار سنويا. فهل يمكن بمثل هذه التصريحات التماس اشارات "تجريبية" تتضمن اتجاه الحكومة نحو التملص من دعم المواد الاساسية بحجة انها "تثقل كاهل الدولة"؟ قامت السياسة الجبائية التي طبقت العام 2011، بزيادة الضغط الجبائي على الأجور والمرتبات بنسبة 11,7 في المئة، مقابل 4,3 في المئة فقط بالنسبة لأرباح الشركات، علما بأن نسبة الأرباح المحققة بالنسبة لرأس المال تفوق هذا المستوى بكثير. واما عموم الأجُراء، فلم ترتفع اجورهم خلال 2011 بنسبة الزيادة الضريبية المطبقة. وإلاّ، لكانت الزيادة الصافية وصلت الى 94 دينار لمن يبلغ أجره الصافي 800 دينار، وهذا ما لم يحدث. كما ازداد الضغط الجبائي على الطبقات الشعبية من خلال رفع القيمة المضافة (TVA) بنسبة 6,1 في المئة. علما بأنّها هي، الطبقات الشعبية وفي مقدمتها الأجراء، من يوفر بحسب التقديرات الاقتصادية المتقاطعة 80 في المئة من الموارد الجبائية للدولة، التي تخصص بالدرجة الأولى لتسديد الديون الخارجية التي رتَّبها النظام السابق.
إن المتأمل في السياسة المالية وفي ميزانية الدولة قبل وبعد 23 سنة من الديكتاتورية، يلاحظ انه لا شيء تغيَّر. بل ان نسب الاعوجاج في الخيارات قد زادت في الارتفاع. فميزانية 2012 التي صادقت عليها حكومة ما قبل الانتخابات، برئاسة الباجي قايد السبسي، والتي عاد فصادق عليها المجلس الوطني التأسيسي لتصبح ميزانية الحكومة المنتخبة، كانت قد هيكلت مواردها في ما بين موارد جبائية بنسبة 59,6 في المئة، مقابل 57,7 في المئة لعام 1986، وموارد غير جبائية بنسبة 11,7 في المئة مقابل 24,6 في المئة لعام 1986، وأخيرا موارد الاقتراض بنسبة 28,5 في المئة مقابل17,7 في المئة لعام 1986 .
وعلى اعتبار صندوق الدعم هو صمام الأمان بالنسبة للاقتصاد الاجتماعي، وأحد أهم عوامل الحماية الاجتماعية في تونس، فإن الافتراض بأن العملية الحالية (من رفع الدعم وزيادة الاسعار، ولو بهذا الشكل الطفيف) تمثل نوعاً من جس النبض أو التمهيد لما هو اعظم، له مردود معنوي ورمزي سيء. واما الامعان في هذه الوجهة فسيكون له تأثير سلبي جلي في حياة ابناء الفئات الشعبية والمفقرة، وسيكون مؤشراً قوياً لنوع الخيارات الاقتصادية ـ الاجتماعية التي يتبناها النظام "الجديد".